صوم رمضان.. مقاصد وأسرار

الإيثار.. سلامة للنفس من شرور الشُحّ والأثرة

اتفق الجميع على أن الابتسامة أو نظرة الامتنان التي يتم استقبال العمل الطيب بها، تكون مشهدا لا يُمحى من ذاكرة من يقوم بهذا الفعل. وإدراك الإنسان أن له دورا مؤثرا في حياة الآخرين ينمي قيمة الإيثار وحب الآخرين بداخله…

(مقتطف من المقال)

إعداد/ فريق التحرير

الإيثار

إذا كنت ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنت سخي، وإن كنت ممن يعطون الأكثر ويُبقون لأنفسهم فأنت جواد.

معنى الإيثار: أن تفضِّل غيرك على نفسك وتقدِّم غيرك على نفسك، وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى: “… وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ…” (الحشر:9) فيقدِّمون غيرهم على أنفسهم، والإيثار: هو تقديم الغير على النَّفس وحظوظها الدُّنيوية رغبةً في الحظوظ الأخروية، وهذا الخلق العظيم يقابل الأثرة، فالإيثار ضدُّ الأثرة، والأثرة معناها: الاستئثار بالشَّيء ومنعه من الغير، وهذا الخلق وهو الإيثار ناشئ عن عددٍ من الأخلاق الأخرى والمبادئ الأخرى التي إذا استقرَّت في النَّفس أنتجت هذا الخلق.

يعتبر الإيثار مِن محاسن الأخلاق الإسلاميَّة، فهو مرتبة عالية مِن مراتب البذل، ومنزلة عظيمة مِن منازل العطاء، لذا أثنى الله على أصحابه، ومدح المتحلِّين به، وبيَّن أنَّهم المفلحون في الدُّنْيا والآخرة.

فالإيثار ينشأ عن قوة اليقين والمحبة الأكيدة للمؤمنين والصَّبر على المشقَّة، “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” والإيثار أيضاً ضدُّ الشُّح، فإنَّ المؤثر على نفسه يترك شيئاً يحتاج إليه من أجل غيره، أمَّا الشَّحيح فهو حريصٌ على ما بيده فإذا حصل شيءٌ بيده شحَّ عليه وبخل بإخراجه، فالبخل ثمرة الشُّح، فالشَّح يأمر بالبخل كما قال النَّبيُّ ﷺ:  (إيَّاكم والشُّح فإنَّ الشَّح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطعية فقطعوا) (رواه أبو داود) فإذاً: هناك خلقان متضادان: الإيثار والأثرة، والأثرة ناشئة عن الشُّح والبخل.

والإيثار خير دثار، وأفضل شعار، ودليل على رسوخ الإيمان والثقة بما عند الرحمن، وهو علامة حب المرء لإخوانه، وبرهان على سلامة النفس من دغل الأثرة والجشع والأنانية، فالمؤمن الحقيقي والمحب والصادق لإخوانه هو الذي يجود بما في يديه وهو محتاج إليه، يجوع ليشبع غيره، ويكد ليرتاح إخوانه، ويسهر لينام أحبابه.

أقسام الإيثار

قسم ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) الإيثار وجعله على ثلاث درجات:

الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا. يعني أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدّين.

الثّانية: إيثار رضا اللّه على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطّول والبدن وإيثار رضا اللّه عزّ وجلّ على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء.

الثّالثة: أن تنسب إيثارك إلى اللّه دون نفسك، وأنّه هو الّذي تفرّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلّمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإنّ الّذي آثره هو الحقّ لا أنت فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة.

فوائد الإيثار

للإيثَار فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخُلُق العظيم منها:

1- دخولهم فيمن أثنى الله عليهم مِن أهل الإيثار، وجعلهم مِن المفلحين.

2- الإيثار طريق إلى محبَّة الله تبارك وتعالى.

3- تحقيق الكمال الإيماني، فالإيثَار دليلٌ عليه، وثمرة مِن ثماره.

4- ومِن أعظم الثِّمار والفوائد: أنَّ التَّحلِّي بخُلُق الإيثَار فيه اقتداءٌ بالحبيب محمَّد صلى الله عليه وسلم.

5- أنَّ المؤْثر يجني ثمار إيثاره في الدُّنْيا قبل الآخرة وذلك بمحبَّة النَّاس له وثناؤهم عليه، كما أنَّه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذِّكر، فيكون بذلك قد أضاف عمرًا إلى عمره.

6- الإيثَار يقود المرء إلى غيره مِن الأخلاق الحسنة والخِلال الحميدة كالرَّحمة وحبِّ الغير والسَّعي لنفع النَّاس، كما أنَّه يقوده إلى تَرك جملةٍ مِن الأخلاق السَّيِّئة والخِلال الذَّميمة كالبخل وحبِّ النَّفس والأَثَـــرَة والطَّمع وغير ذلك.

7- الإيثار جالبٌ للبركة في الطَّعام والمال والممتلكات.

8- وجود الإيثَار في المجتمع دليلٌ على وجود حس التَّعاون والتَّكافل والمودَّة، وفقده مِن المجتمع دليلٌ على خلوِّه مِن هذه الركائز المهمَّة في بناء مجتمعات مؤمنة قويَّة ومتكاتفة.

9- بالإيثَار تحصل الكفاية الاقتصاديَّة والمادِّيَّة في المجتمع، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثَّلاثة، والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر مِن أسرة ليس لها بيوت تؤويها وهكذا.

كيف ننمي خلق الإيثار في المجتمع

اتفق الجميع على أن الابتسامة أو نظرة الامتنان التي يتم استقبال العمل الطيب بها، تكون مشهدا لا يُمحى من ذاكرة من يقوم بهذا الفعل. وإدراك الإنسان أن له دورا مؤثرا في حياة الآخرين ينمي قيمة الإيثار وحب الآخرين بداخله، ويحد من أنانيته وحبه لذاته. فإذا كنت ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنت سخي، وإن كنت ممن يعطون الأكثر ويُبقون لأنفسهم فأنت جواد، أما إن كنت ممن يعطون الآخرين مع حاجتك إلى ما أعطيت لكنك قدمت غيرك على نفسك فقد وصلت إلى مرتبة الإيثار. والواقع أنها قضية ثقافية اجتماعية تربوية نفسية روحية، من لم ينم وعيه عليها، ولم يمتلك ثقافتها وفقد تربيتها، نشأ في الشح والأنانية حتى إزاء أهله وأعز أعزائه!!

________________________________________

المصادر:

 

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا