صوم رمضان.. مقاصد وأسرار

الدَّين.. خطورته ومحاذير الإسراف فيه

وما كل تلك التحذيرات إلا لتعلُّق حق الغير بذمة المدين، ولو لم يَرِدْ في ذلك إلا قولُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (يُغفَر للشهيد كلُّ ذنب؛ إلا الدَّين)؛ رواه مسلم- لكفى ذلك زاجرًا عن إشغال الذمة من غير حاجة، فمِن الخطأ الاستدانة لبعض الكماليات، أو للبحث عن الثراء، وربما حصل للمستدين نقيض قصده…

(مقتطف من المقال)

إعداد/ فريق التحرير

الدَّينمع ازدحام الحياة بالكثير من المسؤوليات والالتزامات الشخصية والعائلية والاجتماعية، وفي ظل تساهل البنوك المختلفة في منح القروض ذات أنظمة السداد طويلة الأجل، يلجأ الكثير من الناس للاستدانة.. سواء عن طريق الدَّين الشخصي بين الأفراد وبعضهم البعض.. أو عن طريق المؤسسات المالية المختلفة.. متساهلين في هذا الأمر رغم خطورته…

وبالرغم مما للدين من آثار نفسية واجتماعية سيئة على الدائن وعلى من حوله إلا أننا نجد في عصرنا الحالي من الناس من تمادى في هذا الأمر حتى بلغ حد الاستدانة للرفاهيات والأمور الكمالية لا الضرورية.

فما حكم الشرع في قضية الدَّين.. وكيف يمكن تقنين ذلك الأمر؟

أولا: تعريف الدَّين

يعرف الفقهاء الدَّين بأنه “لزوم حق في الذمة” كما في “الموسوعة الفقهية”، ومعاني الدَّينِ اللغوية تدور حول الانقياد والذل، وبين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي رابط ظاهر، فإن المَدين أَسيرٌ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ) رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.

جاءت الشريعة الإسلامية بالتشديد في أمر الدَّين، والتحذير منه، والترغيب في احتراز المسلم منه، ما أمكنه ذلك:

فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة:

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ [أي: استدان] حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) رواه البخاري ومسلم.

وروى النسائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ رَجُلا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ) حسنه الألباني في صحيح النسائي.

وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على من مات وعليه ديناران، حتى تكفل بسدادهما أبو قتادة رضي الله عنه، فلما رآه من الغد وقال له قد قضيتها، قال صلى الله عليه وسلم: (الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ) مسند أحمد وحسنه النووي.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (فتح الباري): وفي هذا الحديث إشعار بصعوبة أمر الدَّين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة.

وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ). رواه الترمذي

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 🙁نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رواه الترمذي .

وما كل تلك التحذيرات إلا لتعلُّق حق الغير بذمة المدين، ولو لم يَرِدْ في ذلك إلا قولُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (يُغفَر للشهيد كلُّ ذنب؛ إلا الدَّين)؛ رواه مسلم- لكفى ذلك زاجرًا عن إشغال الذمة من غير حاجة، فمِن الخطأ الاستدانة لبعض الكماليات، أو للبحث عن الثراء، وربما حصل للمستدين نقيض قصده.

ومهما يكن المدين على دِين وخُلق، فقد تُلجئه الحاجةُ، وعدم القدرة على السداد، إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد؛ فعن عائشة: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم).هذا مع ما يلحق المدين من استطالة الدائن عليه، وإهانته وتجريحه بالكلام.

لكن من احتاج لأمرٍ لا بد له منه، من مطعم وملبس، ومركب ومسكن، فيجوز له من غير كراهة.

شروط جواز الدَّين

انطلاقا مما سبق اشترط العلماء لجواز الدين شروطا ثلاثة:

1- أن يكون المستدين عازما على الوفاء.

2- أن يعلم أو يغلب على ظنه قدرته على الوفاء.

3- أن يكون في أمر مشروع.

يقول ابن عبد البر في (التمهيد): والدَّين الذي يُحبَسُ به صاحبُه عن الجنة، والله أعلم، هو الذي قد تَرك له وفاءً ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤد، أو ادَّانه في غير حق، أو في سرف ومات ولم يؤده، وأما من ادَّان في حق واجب لفاقةٍ وعسرةٍ، ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله.

من الواجبات على المدين

الواجب على المسلم إذا استدان -ولا يستدين إلا لحاجة ماسة- أن يعزم على سداد الدَّين عندما يوسر، فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)(رواه البخاري). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحدٍ يدَّان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أدَّاه الله عنه في الدنيا) (رواه النسائي وابن ماجة).

و الواجب على المدين أيضا أن يقضي الدائنَ حقَّه في وقته، ويحرم عليه تأخير القضاء من غير عذر، فمَطلُه والحالة هذه من الظلم المحرَّم، الذي يستحق عليه العقوبة الدنيوية والأخروية؛ فعن أبي هريرة قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (مَطْل الغني ظلم)؛ رواه البخاري، ومسلم.

من المستحبات للدائن

يُستحب للدائن أن يضع من الدَّين، إذا كان المدين فقيرًا، فيُحسِن كما أحسن اللهُ إليه، ويُسَن للمسلمين أن يسعَوْا في التخفيف من الديون التي على الفقراء.

كما يجوز للدائن أن يطلب الإسراع في قضاء الدين مقابل إسقاط جزء منه؛ وبذلك تحصل الإفادة للطرفين.

كما يجوز للمدين – سواء كان الدين بسبب بيع، أم بسبب قرض حسن -أن يردَّ- حين القضاء، أو بعده – أكثرَ أو أفضلَ من الدين الذي في ذمته، إذا كان هذا إحسانًا منه، واعترافًا بالجميل، من غير شرط.

وخلاصة الأمر أن التساهل في الديون أمرٌ جِدُّ خطيرٍ على المسلم في دنياه وفي أخراه، وينبغي للمسلم ألا يستدين إلا إذا ألمت به حاجةٌ ماسة، وعليه أن ينوي سداد الدين في أسرع وقت ممكن، وعلى المسلم أن يحذر من الاستدانة من البنوك الربوية، لأن الربا من كبائر الذنوب.

كما أن المتأمل للهدي الإسلامي الشامل لجوانب الحياة في تعامله مع همِّ الدين يجد الدواء الناجع لهذا الداء دفعاً له قبل وقوعه، ورفعاً له بعد الوقوع، وحسماً لأثره عند القضاء وبعده، أما الإجراءات الوقائية المانعة من الدين، فهي التحذير من الدين وبيان خطره كما تقدم، ومنها: الاقتصاد وحسن التدبير إذ أكثر الديون تصرف في الكمالات، كما قال الله تعالى: “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا” [الإسراء: 29]، وذلك يستلزم ضبط المصروف وحسن تقسيمه، وعدم الانصياع لبهرج الدعاية والإعلان، والتخلص من العادات السيئة وإن جرى بها العمل في المجتمع وعدم مجاراتهم في عاداتهم المباحة إن لم تطق ، كذبح الخراف للضيوف وإن كلفته ديناً، ومن حسن التدبير ترك التسجيل لدى المحلات لئلا يتساهل في الشراء ويقع في الدين، ومن حسن التدبير إبقاء جزء من المال للظروف الطارئة كما كان هدي النبي – صلى الله عليه وسلم –؛ إذ يقول : (لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئاً أصدره لدين) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري، ومنها طلب تلمس البركة في الأرزاق وقد سبق خطبة في ذلك، ومنها أن يعوّد المرء نفسه وأهله على عدم الاستجابة للرغبات النفسية في تحقيق كل ما تريد والقناعة بما رزقوا.

مسائل متفرقة في أحكام الدين

**ما حكم من مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره. هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟

الجواب: أخرج أحمد وابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا محمول على من ترك مالًا يقضى به عنه، أما من مات عاجزًا، فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث؛ لقوله تعالى: “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا” (البقرة:286)، وقوله سبحانه: “وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ” (البقرة:280).

كما لا يتناول من بيّت النية الحسنة بالأداء عند الاستدانة، ومات ولم يتمكن من الأداء؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله).

**توفيت والدتي قبل أيام، وقبل وفاتها كانت قد طلبت مالًا دينًا من إحدى قريباتنا، واتفقت معها أن يكون سداد المال بطريقة معينة، وعلى أقساط، فهل أسدّده بنفس الطريقة التي اتفقتا عليها؟ أم أرجعه كاملًا؟ علمًا أنه ليس لديّ الإمكانية المادية الآن لإرجاعه كاملًا، وهل سداده يجب أن يكون من مالها؟ لأنها تركت بيتًا ميراثًا لي ولإخوتي، لكننا لا نستطيع بيعه الآن لظروف خاصة.

الجواب: نسأل الله أن يرحم والدتك، واعلمي أن جمهور العلماء على أن الدين يصير حالًّا بموت المدين، وأن الأجل لا ينتقل إلى الورثة، وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأجل ينتقل إلى الورثة، ولا يحل وقت السداد بالموت إذا وُثق الدين برهن، والقول المرجح عندنا هو قول الجمهور، وأما قولك: (وهل سداده يجب أن يكون من مالها): فإن قضاء الدين إنما يجب مما تركه الميت من التركة، بمعنى أنه لا يلزم الورثة أن يتبرعوا بقضاء دين الميت إن لم يترك ما يقضى به دينه، لكن إذا تبرع بقضاء دين الميت، فلا شك أن ذلك تبرأ به ذمة الميت من دينه.

وإن كنت تقصدين السداد من عين مال الميت: فإن ذلك ليس بلازم بلا إشكال، فللورثة أن يقضوا دين مورثهم قبل بيع العقار.. والمهم أن يُعلم أنه ليس للورثة التأخير، والمماطلة في سداد دَين الميت لأي سبب كان -كعدم رغبة الورثة ببيع العقار-، فقضاء الدَّين مقدم على حق الورثة، فيجب على الورثة المبادرة بقضاء دَين الميت إن ترك ما يقضى به دًينه.

**السؤال: أن رجلا توفي وترك منزلا لأولاده البالغة أعمارهم بين 18 إلى 35  والمنزل مسجل باسم الأخ الكبير ويوجد على الأب ديون للناس يمكن أن تفوق قيمة المنزل والأخ الكبير يريد أن يبيع المنزل ويسدد الديون عن والده وهناك معارضة من أخ واحد يقول له أنت أكلت حقنا ولا يريد أن يسدد الديون عن والده. علما أن الباقين موافقون على ما يفعل الكبير السؤال: هل يكون مذنبا بحق أخيه إذا مضى ببيع المنزل وسدد الديون؟

الجواب: من مات وترك مالا فلا يجوز لورثته قسمته حتى يتم الوفاء بالحقوق المتعلقة بالتركة ، وهي الحقوق العينية، كالرهن، والدين، ومؤن تجهيزه، والوصية، وقد نص الله تعالى في كتابه على تقديم الدين والوصية على الميراث، كما قال تعالى في آيات المواريث في سورة النساء: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ(النساء:11) إذا ثبت هذا فإن ديون هذا الرجل المتوفى تقضى أولا من ماله الذي تركه، ويحرم على ورثته قسمة تركته قبل قضاء ديونه، وإذا لم يوجد للمتوفى مال سوى هذا البيت ولم يمكن للورثة سداد الدين إلا ببيعه فعلوا، ولا ذنب على الأخ الذي سجل المتوفى البيت باسمه في ذلك، بل فيما ذكرنا من وفاء الدين راحة للميت وإبراء لذمته فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)حسنه الترمذي وصححه السيوطي.

__________________________________________

المصادر والمراجع:

*موقع: صيد الفوائد

*موقع: الإسلام سؤال وجواب

*موقع: طريق الإسلام

*شبكة الألوكة الشرعية

*الموقع الرسمي لسماحة الإمام بن باز

*شبكة إسلام ويب

 

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا