أخلاقنا بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي

شعبان.. دورةٌ تدريبية لاستقبال رمضان!

في هذا الشهر ليلة عظيمة أيضًا، هي ليلة النصف من شعبان، عظَّم النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم شأنها في قوله: (يَطَّلِع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن)…

(مقتطف من المقال)

د/ محمد عمارة

شعبان

في هذا الشهر ليلة عظيمة أيضًا، هي ليلة النصف من شعبان، عظَّم النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم شأنها في قوله: (يَطَّلِع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن).

لما رأى النَّبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم انتباه الناس إلى شهر رجب في الجاهليَّة، وتعظيمه وتفضيله على بقيَّة أشهر السَّنَة، ورَأَى تعظيم المسلمين لشهر القرآن، أرادَ أن يُبَيّنَ لهم فضيلة بقية الأشهر والأيام.

عن أسامة بن زيد رضيَ الله عنهما أنَّه سأل النَّبيَّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم فقال: يا رسول الله، لم أركَ تصوم شهرًا منَ الشهور ما تصوم في شعبان، فقال صَلَّى الله عليه وسَلَّم:(ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يُرْفعَ عملي وأنا صائم).

وبالفعل كان النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم يصوم شعبان إلاَّ قليلاً؛ كما أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها في الحديث المُتَّفق على صحته: (كان رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم يصوم حتى نقولَ لا يُفْطر، ويُفْطر حتى نقول لا يصوم).

ولا بدَّ من وجود أمر هام، وراء هذا التَّخصيص منَ الصيام في مثل هذا الشهر، وهذا ما نبَّه عليه النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم بقوله: (إنَّه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى).

وفي هذا الشهر ليلة عظيمة أيضًا، هي ليلة النصف من شعبان، عظَّم النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم شأنها في قوله: (يَطَّلِع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن).

وروى الإمام أحمد في “مسنده”، والنسائي في “سُنَنِه”، بسند حسن، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم يَسْرُدُ حتى نقول لا يفطر، ويُفطر حتى لا يكاد يصوم، إلاَّ يومينِ منَ الجمعة إن كانا في صيامه، وإلاَّ صامهما، ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّكَ تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلاَّ يومين إن دخلا في صيامكَ، وإلا صمتهما: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: (أيُّ يومين؟)، قال: الاثنين والخميس، قال صَلَّى الله عليه وسَلَّم: (ذلك يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأُحب أن يُعرض عملي وأنا صائم).

في هذا الحديث يصف الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما صيام رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم على مدار العام، فكان من هَدْيِه أن يصوم، ويطيل الصوم، حتى يُخَيَّل لأصحابه أنه لا يفطر، وكان يفطر أيامًا متتالية، حتى يُظَنَّ أنه لا يصوم.

اشتهر عن النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم صيامه في شهر شعبان، وأن صيامه في شعبان أكثر من صيامه في غيره، فعن أم المؤمنين عائشة رضيَ الله عنها قالت: (ما رأيتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم استكمل صيام شهر قطُّ إلاَّ رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان).

فإلى الذين يسْتَنُّونَ بسنَّة النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم ويقتدون به، ويعلنون للدنيا أن الرسول قدوتهم نقول: قد أقبل عليكم شهر حبيب إلى حبيبكم صَلَّى الله عليه وسَلَّم وقد بان لكم خصوصيَّة هذا الشهر ومكانته، وعَلِمْتُم فضائله ومنزلته، وكيف كان حال النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم فيه، فلقد شاع الخبر أنه كان يُكثر الصيام فيه، فماذا أنتم فاعلونَ؟

إن الباقَة الكريمة منَ الأحاديث الشريفة، التي نوَّرت السطور السابقة، وعطرت مسامعنا تنادي فينا: هلمُّوا، يا أتباع محمد صَلَّى الله عليه وسَلَّم إلى خيرٍ، كان يحرص عليه حتى وفاته.

حِكْمة إكثار النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم منَ الصِّيام في شعبان

لم يختلفِ الصَّحابة الكِرَام في حال النَّبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم في شهر شعبان، وكيف كان يُكثر الصيام فيه، فما الحكمة في ذلك؟

ذَكَر الإمام الشَّوكاني رحمَه الله تعالى حِكْمَة الإكثار منَ الصيام في شعبان، فقال: “ولعَلَّ الحكمة في صوم شهر شعبان: أنه يعقُبه رمضان، وصومه مفروض، وكان النَّبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم يُكثر منَ الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته منَ التَّطَوُّع، الذي يعتادُه بسبب صوم رمضان”.

وقد ذَكَر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمَه الله تعالى في بيان حكمة إكثار النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم منَ الصِّيام في شعبان: “أنَّ شهر شعبان يغفُل عنه الناس بين رجب ورمضان، حيث يكتنفه شهران عظيمان، الشَّهر الحرام رجب، وشهر الصِّيام رمضان، فقد اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير منَ الناس يظنُّ أنَّ صيام رجب أفضل من صيامه؛ لأن رجب شهر حرام، وليس الأمر كذلك.

وفي قوله: “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”، دليل على استحباب عمارة الأوقات التي يغفل عنها الناس ولا يفطنون لها، كما كان في بعض السلف، يستحبون إحياء ما بين العشائين – المغرب والعشاء – ويقولون هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل، حيث يغفل أكثر الناس عن الذِّكر؛ لانشغالهم بالنوم في هذه الساعة؛ وقد قال النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم: (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكن).

وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد؛ منها:

  • أن يكون أخفى للعمل، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام؛ فإنه سرّ بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين عددًا، لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وكان السلف يستحبون لمن صامَ أن يُظهر ما يخفي به صيامه.
  • وكذلك فإنَّ العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس؛ لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين؛ وعند مسلم من حديث معقل بن يسار، عن النبي الأكرم صَلَّى الله عليه وسَلَّم قوله: (العبادة في الهرج كالهجرة إليَّ).

والمعنى الآخر للحكمة: ما عبَّر عنه النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم).، فأحبَّ النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم أن تُرفع أعماله، وتُختَم أعمال السَّنَةِ، وهو على أفضل حال منَ العبادة والطاعة؛ ولذلك قال: (وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).

وذكر في صوم شعبان معنى آخر، وهو أن صيامه كالتَّمرين على صيام رمضان؛ لئلاَّ يدخل في رمضان على مشقة وكلفة؛ بل يكون قد تَمَرَّن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولَذَّته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولمَّا كان شعبان كالمُقَدِّمة لرمضان، شُرِع فيه ما يُشْرَعُ في رمضان منَ الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهُّب لصيام رمضان، وتَرْتاض النفوس على طاعة الرحمن.

خطوات نتواصى بها، ونحن على عتبات الشهر الكريم:

أولاً: تجديد التَّوبة قبل فوات أوانها

وحذر الغفلة عن أسباب سعادة النفس وشقائها، وقبل إغلاق الكتاب الذي يحوي أعمالك في هذا العام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “إذا كان هلال شعبان، دُفِع إلى ملك الموت صحيفةٌ، يَقْبض من فيها إلى شعبان من قابل، فإن الرجل ليغرس الغرس، ويبني البنيان، وينكح، ويولد له، ويظلم ويفجر، وما له في السماء اسم، وما اسمه إلا في صحيفة الموتى، إلى أن يأتي يومه الذي يُقْبض فيه”.

ثانيا: الإكثار منَ الطاعات:

لأنَّ الطَّاعة تُقَرِّب منَ الله تعالى كما أنَّ المعصية تُبْعِد عنِ الله تعالى فكُلما كَثُرتِ الطَّاعات، ازْدَاد العبد قربًا منَ الله تعالى لذلكَ.

الإكثار من ذكر الله تعالى:

ذكر الله تعالى حياةٌ للقلوب، وغيثٌ للنفوس، فكثرةُ ذِكْرِك لله تعالى جلاءٌ لقلبكَ مِن أدرانِ الغفلة؛ قال أبو محمد بن علي الزاهد: “خرجنا في جنازة بالكوفة، وخرج فيها داود الطائي، فانتبذ، فقعد ناحيةً وهي تدفن، فجئت فقعدتُ قريبًا منه، فَتَكَلَّمَ، فقال: مَن خاف الوعيدَ، قَصُرَ عليه البعيد، ومَن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آتٍ قريبٌ!”.

فاللهمَّ باركْ لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان.

______________________________________________

المصدر: بتصرف عن شبكة الألوكة الشرعية

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا