13 خطوة عملية لزيادة رصيد الإيمان

كيف آمن هؤلاء؟ روجيه جارودي (13)

عارض جارودي التيار الغربي الذي يتهم الإسلام بأنه دين ينتمي إلى الماضي، فيقول: إن الإسلام قوة روحية عظيمة للإصلاح وللتقدم في المستقبل كما كان دائمًا، كما يعارض الذين يقولون: أين هو المجتمع الإسلامي الذي يمكن أن نذهب إليه ونجد فيه الإسلام حيًّا وموجودًا على أرض الواقع، وليس مجرد وعود وآراء يرددها الناس بألسنتهم؟

(مقتطف من المقال)

إعداد/ فريق التحرير

جارودي

روجيه جارودي

وُلِد الكاتب والفيلسوف الفرنسي الدكتور روجيه جارودي في مرسيليا بفرنسا سنة ١٣٣١هـ/١٩١٣م، وتعلَّم في مدارسها، وشارك في الحرب العالمية الثانية، وتمَّ أسره في جلفة بالجزائر. وبعد انتهاء الحرب، انتُخِب عضواً في البرلمان الفرنسي (١٣٦٤هـ/١٩٤٥م). وفي سنة ١٣٩٠هـ/١٩٧٠م اخُتِير عضواً في مجلس الشيوخ.

الدراسة والتكوين

حصل بسبب تفوقه على منح الدولة في جميع مراحل التعليم، ودرس في كل من جامعة مرسيليا وجامعة “إيكس أون بروفانس”، ونال درجة الدكتوراه عن النظرية المادية في المعرفة من جامعة السوربون بباريس عام 1953، ودكتوراه ثانية من جامعة موسكو عام 1954، ومؤسس المركز الحضاري في قرطبة، وعضو في أكاديمية المملكة المغربية، وفي المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، كما عين جارودي عام 1937 أستاذا للفلسفة، وزاوج بين مهنة التدريس والبحث العلمي بعدما أسس المعهد الدولي للحوار بين الحضارات في باريس.

التوجه الفكري

عاش تجارب فكرية مختلفة؛ فقد ربته والدته على المسيحية الكاثوليكية في الوقت الذي كان فيه أبوه ملحدا، اعتنق الدكتور جارودي البروتستانتية وهو في الرابعة عشرة من عمره، وانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وهو في العشرين، وتبنى الفكر الشيوعي وأصبح واحدا من رموزه، وظل فيه حتى طرد منه 1970 لانتقاده اللاذع للغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا 1968، ولمحاولته الجمع بين الدين والشيوعية.

التجربة السياسية

شارك في حركة المقاومة ضد النازيين في فرنسا بداية أربعينيات القرن العشرين، فاعتقلته حكومة فيشي الموالية للنازيين ونقل إلى مدينة الجلفة جنوب الجزائر خلال 1940-1942.

انتخب عام 1945 نائبا في البرلمان الفرنسي، ونال عضوية مجلس الشيوخ (1946-1960) حيث ترأس اللجنة الثقافية الوطنية، وتوجه في الستينيات إلى عالم الأديان من خلال عضويته في الحوار المسيحي الشيوعي.

جرب الجمع بين الكاثوليكية والشيوعية فلم يجد نفسه فيهما، وبدأ يميل منذ السبعينيات إلى الإسلام.

ألّف بعد هذا التحول كتبا عديدة منها “الإسلام يسكن مستقبلنا”، فاستـُدعي لعشرات المؤتمرات والندوات والمنتديات، خاصة بعدما كشف في عدد من كتبه حقيقة الحروب التي خاضها ويخوضها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ومنها كتاب “أميركا طليعة الانحطاط”، فتعززت مع مرور السنوات شعبيته في العالم العربي والإسلامي.

ناصر قضايا عربية وإسلامية كقضية فلسطين، وواجه الصهيونية بشراسة خاصة بعد مجزرة صابرا وشاتيلا في لبنان عام 1982، حيث أصدر بيان إدانة لها وقعه معه الأب ميشيل لولون، والقس إيتان ماتيو، ونشر في جريدة لوموند الفرنسية يوم 17 يونيو/حزيران من العام نفسه بعنوان “معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان”.

شن عليه الإعلام الموالي لإسرائيل والصهيونية حملة شعواء، وصوره على أنه عنصري ومعاد للسامية وقاطعته صحف بلاده، إلا أنه لم يتراجع عن مواقفه، وفي مرحلة هامة من تاريخ الرجل أصدر كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” عام 1995.

وشكك في الرواية الصهيونية للهولوكوست، فحكمت عليه محكمة فرنسية عام 1998 بالسجن سنة مع وقف التنفيذ، وغرّمته 120 ألف فرنك فرنسي (50 ألف دولار)، متهمة إياه بالعنصرية، وبإنكار جرائم ضد الإنسانية.

وقد قال جارودي في هذا الصدد: اليهودية ديانة أحترمها، أما الصهيونية فهي سياسية أحاربها.

أنشأ في مدينة قرطبة الإسبانية متحفا للتراث الأندلسي للاحتفاء بتجربة التعايش الإيجابية بين أتباع الديانات السماوية أيام الحكم الإسلامي في الأندلس.

انجذاب جارودي لدراسة الأديان

جارودي

كتاب/ وعود الإسلام

انجذب جارودي للأديان منذ صغره، وقرأ العديد من الكتب المترجمة عن الإسلام وتفسير القرآن، كما ساعدته زوجته الفلسطينية في قراءة بعض المصادر العربية والإسلامية وترجمتها، خاصة كتب التراث. وبعد سنوات طويلة من البحث والدراسة والمقارنة اهتدى إلى الإسلام، وتولّدت لديه قناعة بأنه دين الفطرة، التي خلق الله الناس عليها، وأنه الدين الحق منذ أن خلق الله آدم، فأشهر إسلامه سنة ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م، في شهر رمضان وأعلن ذلك في المؤسسة الثقافية بجنيف وأصبح يُسمَّى “رجاء” بدلاً عن روجيه.

وكان لإسلام روجيه جارودي دويا هائلا في الأوساط الفكرية والثقافية، وكثرت التعليقات عليه في الإذاعة والصحافة العربية والعالمية.

ويروي المفكر الفرنسي روجيه جارودي قصة إسلامه فيقول: كنت مسجونا في أحد المعتقلات النازية في الصحراء الجزائرية يوم 4 مارس 1941م مع قرابة 500 مناضل من المعتقلين والمسجونين لمقاومتنا لهتلر.. وكانت حراستنا بين الأسلاك الشائكة في معسكر الاعتقال مدعومة بتهديد رشاشين، وفي ذلك اليوم -بالرغم من أوامر القائد العسكري وهو فرنسي- نظمت مظاهرة على شرف رفاقنا من قدامى المتطوعين في الفرق الدولية الإسبانية، وقد أثار عصياننا حفيظة قائد المعسكر، فاستشاط غضبا وأنذرنا ثلاثا، ومضينا في عصياننا، فأمر حاملي الرشاشات -وكانوا من جنوب الجزائر- بإطلاق النار، فرفضوا، وعندئذ هددهم بسوطه المصنوع من طنب البقر، ولكنهم ظلوا لا يستجيبون، وما أجدني حيا إلى الآن إلا بفضل هؤلاء المحاربين المسلمين..

 ويضيف جارودي: كانت المفاجأة عندما رفض هؤلاء تنفيذ إطلاق النار، ولم أفهم السبب لأول وهلة؛ لأنني لا أعرف اللغة العربية، وبعد ذلك علمت من مساعد جزائري بالجيش الفرنسي كان يعمل في المعسكر أن شرف المحارب المسلم يمنعه من أن يطلق النار على إنسان أعزل، وكانت هذه أول مرة أتعرف فيها على الإسلام من خلال هذا الحدث المهم في حياتي، وكانت هذه اللحظة التي تسببت في بداية رحلة المفكر الفرنسي روجيه جارودي الطويلة للتعرف على الإسلام.

 أصدر جارودي كتابه الشهير (وعود الإسلام) الذي كان بداية حرب شعواء شنت عليه من أكثر من جهة، خاصة أنه قد أعلن في كتابه هذا: “أنه لا توجد اليوم أمة تحمل كلمة الله بأمانة وصدق غير الأمة الإسلامية، ولا يوجد كتاب سماوي يمثل كلمة الله بحق دون تحريف إلا القرآن، ولا أمل في إنقاذ الغرب إلا بأن يعترف بأنه مدين لحضارات أخرى ويغير موقفه المتعنت من الإسلام؛ لأن الغرب الذي رفض روحانيات الإسلام هو اليوم أحوج ما يكون إليها، ورفض الغرب عقيدة التوحيد وغرق في المادة، فانتهى به الأمر إلى خواء روحي وتمزق بين الأيديولوجيات..، والإسلام ليس كفرًا كما روج المغرضون القدامى في الحرب الصليبية، وليس إرهابًا كما يصوره المغرضون الجدد..، إنه الدين العملي الذي يقدم للإنسان نظامًا كاملًا شاملًا لحياة إنسانية بكل احتياجاتها، وليس مجرد عقيدة منعزلة عن دنيا الناس”، وقد تولى (جارودي) في كتابه (وعود الإسلام) تفنيد الاتهامات التي تتردد في الغرب ضد الإسلام.

اشتهر الدكتور جارودي بعدائه الشديد للإمبريالية والصهيونية. وبعد مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان، سنة ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م، أصدر بياناً وقّعه معه اثنان من رجال الدين المسيحي واحتلَّ صفحة كاملة من جريدة اللوموند الفرنسية بعنوان (معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان).

وكان ذلك البيان بداية صدام بينه وبين المنظمات الصهيونية، التي شنَّت ضدّه حملة شرسة في فرنسا والعالم، واتَّهمته بالعنصرية ومعاداة السامية؛ وبخاصة بعد أن نشر بحثه ملف إسرائيل. وقد تعرَّض للمحاكمة بتهمة التشكيك في المحرقة اليهودية في كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، وحُكِّم عليه بغرامة مالية كبيرة، ولكن ذلك كله لم يحمله على التراجع عن موقفه أو يؤثَّر في صلابته رغم أنه تجاوز التسعين من عمره.

نشر جارودي أكثر من ٤٠ كتاباً، وكانت البداية برواية “البارحة واليوم” عام 1945، ثم كتاب “الشيوعية ونهضة الثقافة الفرنسية”. ومن أشهر كتبه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”, و”فلسطين أرض الرسالات السماوية”، و”الأصوليات المعاصرة: أسبابها ومظاهرها”، و”محاكمة الصهيونية الإسرائيلية”، و”الولايات المتحدة طليعة الانحطاط”، و”كيف نصنع المستقبل؟”، و”الإسلام وأزمة الغرب”، و”الإرهاب الغربي”، و”المسجد مرآة الإسلام”.

وفي تلك الكتب أبان مكانة الإسلام ومبادئه وصحة أصوله وقدرته على توفير الكرامة للإنسان على مرِّ العصور، وتخليصه من الويلات التي تهدِّد العالم؛ إضافة إلى ذلك، دافع عن فلسطين وأهلها من خلال مواقفه وخطبه وكتاباته. وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات.

جوائز وتكريمات

مُنِح الدكتور رجَاء جَارُودي جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1985 (بالاشتراك) تقديراً لعمله المتميز في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين والمتمثل فيما يأتي:

ما أصدره من كتب تبرز صورة أمينة للإسلام مثل: “الإسلام يسكن مستقبلنا” و “وعود الإسلام”، والتي بيَّن فيها مكانة الإسلام، وصحة أصُوله ومبادئه، وقدرته على توفير الحياة الكريمة للإنسَان في مختلف العصور وحل مشكلات الإنسَان المعَاصر.

دفاعه عن فلسطين وأهلها دفاعاً مجيداً، في مواقفه المختلفة التي أعلن عنها في خطبه، ومقالاته الصحفيَّة وكتبه وكشفه السياسة الصهيونية في كتابه “القضية الإسرائيليَّة”.

مشاركاته في العديد من المؤتمرات في العالمين الإسلامي والغربي التي يوازن فيها بين الحضارات وينوه فيها بالمبادئ والأصول الإسلاميَّة ويؤكد أنَّ التزامها كفيل بالوصول إلى الخلاص من الويلات التي تهدد العالم.

كما حصل على ميدالية الشرف لمقاومته الفاشية الهتلرية بين عامي 1941 و1944.

تُوفِّي الدكتور رجاء جارُودي – رحمه الله – سنة ١٤٣٣هـ/٢٠١٢م في ضاحية شامبيني سيرمارن الباريسية، ولم يعثر أصدقاؤه ومحبوه على قبر له، لأن أسرته -حسب روايات عديدة- قررت إحراق جثمانه وعدم دفنه على الطريقة الإسلامية، وهو الأمر الذي فسره كثيرون بأنه تم بضغوط جهات خافت منه حيا وميتا.

تاريخ نضالي وبحثي عريق

صار جارودي عبر تاريخه النضالي والبحثي الكبير واحدا من دعاة حوار الأديان السماوية ووحدتها مع إيمانه بأن الإسلام هو دين المستقبل، وهو عنوان كتاب له قال فيه: أظهر الإسلام شمولية كبرى في استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة، فقد كان أكثر الأديان شمولية في استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد، وكان في قبوله لأتباع هذه الديانات في داره منفتحا على ثقافاتهم وحضاراتهم.

وعارض جارودي التيار الغربي الذي يتهم الإسلام بأنه دين ينتمي إلى الماضي، فيقول: إن الإسلام قوة روحية عظيمة للإصلاح وللتقدم في المستقبل كما كان دائمًا، كما يعارض الذين يقولون: أين هو المجتمع الإسلامي الذي يمكن أن نذهب إليه ونجد فيه الإسلام حيًّا وموجودًا على أرض الواقع، وليس مجرد وعود وآراء يرددها الناس بألسنتهم؟

فيقول: إن على الذين يطرحون هذا السؤال في الغرب للتشكيك في صلاحية الإسلام لبناء مجتمع حديث صالح للقرن الحادي والعشرين، عليهم أن يطرحوا على أنفسهم سؤالين على الأقل بدلًا من أن يُنصِّبوا أنفسهم أوصياءَ على الإسلام:

السؤال الأول: ما هو نصيب الغرب المستعمر من المسؤولية عن تخلف العالم الإسلامي وظهور التعصب فيه؟

أليس سبب التخلف هو استنزاف الاستعمار الغربي لثروات العالم الإسلامي؟

ولقد كان العالم الإسلامي تحت الحكم الاستعماري الغربي، فلماذا لم يساعده الغرب على التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسد الفجوة الحضارية؟

ثم إن التعصب وظهور الأصولية، هما كل ما تستطيع الشعوب الإسلامية عمله؛ لكي تحافظ على هُويتها، وتحمي دينها، وبذلك ظل الإسلام محتفظًا بنقائه ولم تستطع السيطرة الاستعمارية أن تطمس معالمه أو تغير منه شيئًا، لماذا لا يسأل الغرب نفسه هذا السؤال ويعترف بمسؤوليته عما وصل إليه العالم الإسلامي؟

والسؤال الثاني: لماذا يقارن معظم الباحثين الغربيين بين النظام الإسلامي كما هو عليه الآن بنظام مسيحي مثالي ليس موجودًا على الإطلاق؟ ويقول (جارودي): هؤلاء يسألون بسخرية حمقاء: أين هو الإسلام الذي تنسبون إليه الكمال؟ وإنني أجيب: هاتوا خريطة العالم وقولوا لنا: أين نجد مجتمعًا مسيحيًّا مثاليًّا يطبق المسيحية ونعتبره النموذج الحي للمبادئ والتعاليم؟

وقولوا لنا: لماذا تهاجمون الإسلام؛ لأنه لم يمنع وجود المنازعات بين المسلمين، على الرغم من أنه الدين الذي يقرر أن المسلمين إخوة ويدعو إلى الإصلاح بين الإخوة؟

وإننى أقول: إن المسيحية هي دين التسامح والإخاء والرحمة..، فكيف خرج الصليبيون باسم هذا الدين لذبح المسلمين في بلادهم؟

وكيف خرجت الجيوش الاستعمارية من دول مسيحية لغزو العالم الإسلامي الذي لم يبادر بالعدوان؟

وكيف سمح الضمير المسيحي باستغلال الشعوب الإسلامية واستنزاف ثرواتها وهو يدعو إلى العدل والحق؟.

أعلن (جارودي) للعالم أنه لم يعتنق الإسلام إلا بعد أن تعمق في دراسة أصول الدين ومبادئ الشريعة والفقه، والتعرف على تاريخ الحضارة الإسلامية بالتفصيل… ولأن جارودي اكتشف المنبع، فقد عاد إليه مخلصًا بعد رحلة طويلة عايش فيها الإلحاد، والشك، والفلسفة المادية، والفكر الماركسي، والحضارة الغربية، ثم وصل إلى اليقين، وكان صوته مدويًّا في الغرب دفاعًا عن الإسلام، وتحمل بسبب ذلك الكثير من الاضطهاد والمطاردة إلى حد محاكمته والتهديد بسجنه، ولكنه مثل كل المؤمنين الصادقين الذين يختبر الله صدق إيمانهم، وعندما يثبتون على الحق يجزيهم الله بأحسن ما عملوا.

_____________________________________

المصادر: بتصرف عن المواقع التالية

*موسوعة الجزيرة

*موقع جائزة الملك فيصل

*موقع قصة الإسلام

*موقع شبكة الألوكة الثقافية

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا