أسلموا وأصبحت الدعوة إلى الله هدفهم.. فأبدعوا!

معاني الحج وأسراره ومقاصده

يذكرنا الحج بأن العبادات توقيفية لا دخل لأحد فيها بتبديل و تغيير، أو نقصان زيادة؛ لأن الله تعالى هو الذي شرعها، واختار لعبادة التعبد وفق ما أراد سبحانه لحكمة يعلمها هو…

(مقتطف من المقال)

إعداد / فرق التحرير

مقاصد الحج وأسراره

مقاصد الحج وأسراره

مثلما اختار الله من الأمم أحسنها وفضّلها على كثير من الأمم الأخرى ومثلما اختار الله من البشر أناسًا فضلهم أيضًا واصطفاهم وجعل منهم رسله وأنبيائه؛ اختار الله أيضًا من الأماكن أحسنها وأفضلها وباركها وجعل فيها هدىً للناس وأمنًا للعالمين وقبلة للمصلين إلى يوم الدين وهو المكان والبقعة الأولى التي وضعها الله وفرض علينا الحج إليه، قال الله تعالى: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” (آل عمران:97).

والحج إلى بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقوله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا) (صحيح- الألباني)  فالحج واجب على كل مسلم مستطيع مرة واحدة في العمر.

ومن الواجب على كل مسلم يريد أن يفهم عباداته ويتأملها تأملاً وفهمًا صحيحًا؛ بحيث يفهم المطلوب منها أولًا وأن يتفهم أسرارها ومعانيها ومتى وأين وكيف يحقق الغاية منها؛ وهو ما سنتعرض له في هذه المقالة إن شاء الله؛ في نقاط بسيطة وسريعة لكي نذكر أنفسنا وإياك أخي المسلم بكل ما يتعلق من الحج من ناحية أسراره ومعانيه وعلله ومقاصده ومراداته وخاصة ونحن على أبواب موسم الحج التي تفصلنا عنه أيام قلائل؛ ولئلا يصير الحج عبادة ظاهرية جوفاء لا تتجاوز الحركات الظاهرة ولا يستفيد منها القلب شيئًا، يقول الله تعالى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ” (البقرة:197).

إن إقامة التوحيد الخالص كما يقول الدكتور/ سليمان أبالخيل وتنقية العبادة من شوائب الشرك من أهم مقاصد الحج وحكمه وأسراره البالغة، يدرك ذلك –على حد تعبيره- من قرأ حجة النبي صلى الله عليه وسلم وعاش معه في كل جزئية من جزئيات الحج، وهناك حكم أخرى ومقاصد ومطالب تظهر للمتأمل والمريد؛ نذكرها باختصار في مقالنا هذا…

المقصد الأول: التذكير بأول منازل الآخرة

وهو أول المقاصد ويتضح جليًا من ارتداء ملابس الإحرام، حيث يتجرد الإنسان من كل متعلقاته ويتذكر أول منازل الآخرة، إنه القبر فمن نجا منه، فما بعده أيسر منه.

إن تذكر القبر وعذابه معناه: قصر الأمل، وبقاء حقيقة الموت ماثلة في ذهن المؤمن قبل مثول حقيقة الحياة؛ فيكون أشد حرصاً على الطاعة، وأكثر بعداً عن المعصية.

المقصد الثاني: التذكير بالوحدة والمساواة

وهو ما يتجلى في الحج من الوحدة الإسلامية والمساواة بين المسلمين، فالجميع قد طرح الملابس، وظهروا في زي واحد، الغني والفقير، والقوي والضعيف، في وحدة تامة في الشعائر والهدف والعمل والقول، لا إقليمية، ولا عنصرية، ولا عصبية للون أو جنس أو طبقة، قال تعالى: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” (الأنبياء:92)، وقال صلى الله عليه وسلم: (الناس بنو آدم، وآدم من تراب) أخرجه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى) “أخرجه أحمد”.

المقصد الثالث: التذكير بيوم الجمع

ففي الحج يجتمع الناس من كل حدب وصوب على اختلاف بيئاتهم ولغاتهم، وأجناسهم وأعراقهم، في صعيد واحد في يوم عرفة، لا يملكون شيئا من حطام الدنيا إلا ما يواري سوءاتهم، جاءوا شعثًا غبرًا، تخلّوا طواعية عن أولادهم وأموالهم ومناصبهم وسلطانهم؛ ليقفوا في هذا الصعيد الطاهر أداءً للفريضة وطلباً للمغفرة، والفارق بين هذا الجمع وبين يوم الحشر أن الأخير يوم حساب وجزاء لا طلب ولا رجاء، كما أنه يعم الناس جميعا أولهم وآخرهم على سبيل الجبر والاضطرار لا على سبيل الرغبة  والاختيار فضلاً عن كونهم حفاة عراة.

المقصد الرابع: تحقيق تقوى الله عز وجل

وذلك إنما يكون بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي والتجرد من شهوات النفس، وحبسها عن كل ما حرم الله، فالإحرام يمتنع بسببه المحرم عن أمور يباح بعضها له لولا هذه النية، وهذا يربي في المسلم قوة الإرادة وضبط النفس، واستشعار عظمة الله وعبوديته، ويجعل المسلم يستقيم على دين الله بعد ذلك، ولا يحدث نفسه بالرجوع إلى ماضيها المليء بالمعاصي، ولذلك استحق من صابر نفسه وجاهدها على ذلك أن تغفر ذنوبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (صحيح البخاري).

المقصد الخامس: التربية الجهادية وإحياء روح الجهاد

وهذا المقصد واضح من خلال تنقل الحجاج من مكان إلى مكان، بدءا من منازلهم حتى وصولهم إلى مكة المكرمة، ثم الدخول إلى بيت الله الحرام، وفي تحمل زحام الطواف والسعي، ورمي الجمرات، وتشتد ذروة العمل الجهادي يوم النحر حيث يجتمع فيه الرمي، والحلق والتقصير، والذبح، والطواف بالبيت وهذا كله يتطلب من الحاج أن يكون قويا مستطيعا لتحمل هذه المشاق، وفي هذا تذكير بأن روح الجهاد في الأمة لابد أن تبقى حية لا تموت أبدا؛ لأنه ذروة سنام الإسلام ومصدر عزتها وقوتها.

المقصد السادس: الصبر والإيثار وتحمل المشاق

يأتي الناس في الحج من بقاع شتى؛ تختلف طبائعهم ففيهم اللين الجانب، وفيهم الغليظ الفظ، وفيهم الحاد الطبع، وفيهم الشديد، و فيهم الضعيف، وفيهم الشيخ الهرم والشاب اليافع والصبي الصغير والطفل الرضيع ولابد للحاج أن يتحلى بخلق الصبر والإيثار فلا يزاحم الكبير، ولا يقسوا على الصغير،لاسيما عند الطواف والرمي وتقبيل الحجر، ويتذكر دوما قوله تعالى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ” (الْبَقَرَةِ: 197).

والحج يُعَوِّد المسلم على تحمل المشاق، وركوب الأهوال، ومفارقة الأهل والأحبة، والتضحية بالراحة والدعة والأموال طلباً لمرضاة الله، وابتغاء ما عند الله، وتكميلاً لدين الله، ففيه تمام الابتلاء، وكمال الامتحان، وبذلك تظهر قوة الإيمان واليقين، لأن من النفوس من يَهُون عليها البذل.

المقصد السابع: التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

إن الحج يربي فينا قوة التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباعه، وتلقي التشريعات من سنته، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤدي مناسكه، ويوقف أصحابه على كل جزئية، ويقول: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا أراكم بعد عامي هذا) أخرجه مسلم، وهذا ليس خاصًا بالحج، بل إن جميع الأمور المتعلقة بالعبادات يجب على كل مسلم أن يتلقاها من المشرع، ولا تصح عبادة لم يتحقق فيها هذا الشرط، وهو الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ“(آل عمران: 31)، ويقول جلَّ وعلا: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” (الحشر:7).

المقصد الثامن: وحدة الهدف والمصير

ترى الحجاج جاءوا من كل فج عميق، لمقصد واحد إنه طلب المغفرة، والتقرب إلى الله بأداء ما افترضه عليهم، تحت لواء واحد، إنه الإسلام وشعار واحد “لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك” وهكذا يجب أن يكون المسلمون في هدفهم وشعاراتهم فكل شعار سوى الإسلام باطل، وكل مقصد لا يخدم الإسلام مردود على صاحبه، فعن عبد الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) [رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني 1/ 12 رقم (15)].

المقصد التاسع: التعارف

جاء الحجاج من بلدان وقبائل شتى، في مكان واحد جمعتهم أخوة الإسلام، والتعارف بينهم أمر حتمي ـ وإن كانوا من بلد واحد ـ نظرا لوحدة المكان، وطول المقام، وبهذا التعارف تزداد روابط الألفة والأخوة بينهم، وكثيرا ما يمتد هذا التواصل إلى ما بعد العودة إلى ديارهم، حيث تتواصل مراسلات البر والمعرفة، وتزداد روابط المحبة بينهم، وهذا من مقاصد الإسلام وصدق الله الحكيم “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات:13).

المقصد العاشر: التذكير بأولويات السياحة في الإسلام

أصبحت السياحة في العصر الحديث جزءا لا يتجزأ من حياة الناس أيام الإجازات أو العطل، وفي أوقات الفراغ، وتستهلك جزءا كبيرا من مدخراتهم، بل ربما تجد بعض المسلمين يعد لها العدة منذ زمن طويل، ليشد الرحال شرقا أو غربا؛ فيضيع وقته بين اللهو والترف والملذات دون فائدة أو مصلحة تعود عليه، وفريضة الحج رحلة إيمانية تربوية تذكرنا بأن السياحة الدينية لها أولوية الاهتمام عند المسلم فتكون بأداء الفريضة أولا، ثم التتابع بين العمرات، فيحصل الأجر والثواب ويبقى البيت معموراً بزواره طوال العام.

المقصد الحادي عشر: التوقيف في العبادة دون البحث عن عللها

يذكرنا الحج بأن العبادات توقيفية لا دخل لأحد فيها بتبديل و تغيير، أو نقصان زيادة؛ لأن الله تعالى هو الذي شرعها، واختار لعبادة التعبد وفق ما أراد سبحانه لحكمة يعلمها هو، ولا يحق للمسلم أن يشغل نفسه بالبحث عن علل تقبيل الحجر، أو الجلوس في منى أياما دون عمل شعائر سوى أداء الصلوات فقط، أو الطواف من الكعبة يساراً وغير ذلك، فالمسلم يتعلم من هذا وغيره كيفية الاستسلام و التسليم لله فيما أمر لعبادته دون البحث عن علتها؛ لأنه من تمام الإيمان.

المصادر: 

  • من مقاصد الحج وأسراره وحكمه ومظاهر التوحيد فيه- سليمان أبالخيل- صحيفة الجزيرة السعودية.
  • عشرون مقصدًا من مقاصد الحج في الإسلام- عبدالتواب مصطفى خالد- شبكة لها أون لاين.
  • مقاصد الحد التربوية- محمد بن عبدالعزيز الشمالي – موقع صيد الفوائد .
  • فريق التحرير – موقع “المهتدون الجدد”.
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (2 votes, average: 4.00 out of 5)
Loading...

اترك تعليقا